الجمعة، 14 مايو 2010

في الهوية اللغوية / عبد السلام المسدّي

إن علاقة اللغة بالسياسة أمر بديهي، ولكن علاقة الخيار اللغوي بالصراع السياسي الممتد على الزمن الطويل أقلّ انجلاءً، لذلك يمكننا أن نعتبر الوعي به مسباراً نقيس به انخراط شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم، في النسق التاريخي الواعد، ولئن أجمع العرب -أو كادوا يجمعون- على أن التفريط في الأرض كالإقرار بشرعية اغتصابها يهدد وجودَهم، فإنهم كالغافلين عن أن التفريط في لغتهم القومية سيكون هو المسوّغ للتفريط في الأرض، وما كان للكيان المغتصب أن يُحييَ لغة أشرفت على الممات، فارتكنت على رفوف اللغات غير المستعملة، لولا أنه يعتزم المضيّ في ليّ ذراع التاريخ واختراق قوانين الحق الشرعي. ويبقى أن نلج الآن إلى دقائق الفروق حتى يطمئن القلب بعد أن يتبصر الإدراك: إذا قلنا إن اللغة ظاهرة طبيعية تتطور بشكل طبيعي كسائر الظواهر الطبيعية كان كلامنا متلابسا تعتوره مظان سوء التأويل، والسبب هو أن لفظة الطبيعي تساق على مقصدين بينهما فارق دلالي خفيّ، وهو فارق جزئي ولكنه في بعض السياقات ثقيل الوزن. فقد تكون اللفظة منسوبة إلى الطبيعة بمعنى الكون المحيط بالإنسان، وقد تكون منسوبة إلى الطبع على معنى العرف السائد المألوف، ذاك الذي تجري به العادة كما يقال. فالفارق إذن هو استقلال المعنى الأول نسبيّا عن الدلالة الاجتماعية وانغماسه فيها بالكلية في السياق الثاني. بهذا التفريق علينا أن نفهم أن اللغة ظاهرة "طبيعية - اجتماعية" في آن معاً، فهي تتولد، وتحيا فتنمو، والإنسان -فردا وجماعة- يتدخل في مجريات أوضاعها، فيزكيها، ويفسح لها المجال كي تزدهر وتبقى، أو يزهد فيها، ويُعرض عنها، فيدفع بها نحو التلاشي والاندثار. وما إرادة الإنسان التي نتحدث عنها إلا سلطة القرار الذي هو سياسي أو لا يكون. سنقول مبدئياً: إن الهويّة في مفهومها الشامل قيمة جوهرية في حياة الإنسان بوصفه كائنا ثقافيّا قبل أن يكون كائنا بيولوجيّا، وجوهرُ الهويّة الانتماءُ، وهو الذي به يفارق الإنسان آدميّته الغريزية مرتقيا إلى آدميّته المتسامية. والانتماء مضمون وإبلاغ، فأما المضمون فعقيدة تكفل له الإيمان وتقيه شرّ الضياع في الوجود، وأما الإبلاغ فلغة تؤمّن له التواصل الإنساني الخلاق. فإذا تصاقبت دائرة الإيمان ودائرة اللسان كان الانتماء إلى التاريخ، وكان الاستشراف إلى المآل. سيبدو غريبا لكثير من الناس -بين عامتهم وخاصتهم وربما لدى خاصة خاصتهم أيضا- أن نقول لهم إن قبول تفتيت اللغة القومية هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو قبول تفتيت الذات، وقبول تفتيت الهوية، فقبول تفتيت السيادة، ثم قبول تفتيت الأرض. وسيبدو لهم ذلك غريبا، وغيرُ بعيد أن يبدوَ لهم مستهجَنا، وأن يتأوّلوا أنه استنفار مدفوع بعقدة المؤامرة. عندما نؤكّد على أن اللغة مكوّن جوهري ضمن معمار السياسة فإننا نتعامل مع المسألة من منظور اختباري، يمليه الغطاء العقلاني الذي يتحرك تحت قبائه الفكر النقدي، وبين الموضوع الإنساني والذات الجماعية جسر واصل، تجسّده الدساتير التي يتأسس عليها مفهوم الدولة، وهنا ينبري مشهد قارع يتناساه الناس لفرط بداهته: فالدستور -في أغلب الحالات- ينص على اللغة القومية التي يتعلق بها الشعب لتكون جزءا جوهريا في تحديد هويّته، وقد يعتمد الدستور مبدأ التعدد اللغوي، ولكنه يحدد مكوناته بالتنصيص الصريح. وهكذا نجد الآن 120 دولة تنص دساتيرها على ما تعتبر أنه هو اللغة القومية. والبلاد التي لم ينصّ دستورها على ذلك فلأن الجميع يعتبر سيادة اللغة القومية أمرا بديهيا ليس في حاجة إلى التنصيص عليه كما هو الحال عند الفرنسيّين. إن اللغة الفرنسية كانت في القرن العاشر للميلاد لهجة يتكلمها أهل الحاشية الملكية، وكانت اللاتينية يومئذ هي لغة الأدب والعلم والمعرفة، وتطورت اللهجة الفرنسية، وارتقت في سلم الاعتبار الاجتماعي، ولكن اللاتينية ظلت لغة المؤسسات الجامعية، ولهذا السبب سمّي الحيّ الذي هي موجودة فيه بالحيّ اللاتينيّ، نسبة إلى اللغة التي ظل تداولها هناك مستمرّا على وجه الاستثناء. وتأسست جامعة السربون عام 1227 على يد اللاهوتي (روبير دي سربون) ولكن اللغة الفرنسية لم يستقرّ أمرها ولم تترسخ منظومتها إلا عند إنشاء الأكاديمية الفرنسية عام 1635، ومنذئذ أصبح أمر اللغة شأناً من شؤون الدولة، ولم ينصّ الدستور الفرنسي على لغة البلاد، بحكم أن ذلك من بدائه الأمور، ولكن الفرنسيين حين لاحظوا التنوّع اللغوي الطارئ على تركيبة مجتمعهم سارعوا عام 1992 إلى تنقيح دستور بلادهم، كي ينصّ على أن اللغة الفرنسية هي لغة البلاد شعبا ودولة. اتضح جلياً يومئذ كيف أن شعبا سبق له أن أوقد مشعل الحرية الإنسانية، ورفع راية التنوع البشري الخلاق، وتعلق بقداسة الانتماء إلى الوطن بعيدا عن معيار الأعراق والأديان، يلوذ بركن اللغة محتميا بها من ضياع سمات هويته. وما لبث ذاك التنقيح الدستوري أن أصبح مسوغا لتشريعات قانونية أخرى. فقد كان مرتكزا اعتمدته الحكومة في مفاوضاتها حول اتفاقيات التجارة الدولية في مطلع تسعينيّات القرن العشرين، استعداداً لمؤتمرها الموعود لتاريخ (15 أبريل 1994) في مراكش، حيث تمّ فعلاً الإعلان عن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة، وخاضت فرنسا حرباً دبلوماسية عنيدة ضد الأمريكان الذين كانوا يريدون تعميم مبدإ الحرية التجارية، على أساس أن كل منتج هو سلعة في سوق التبادل، بما في ذلك الإنتاج الفني كالكتاب والأشرطة السينمائية والأشرطة الغنائية وكل ما هو من فصيلة الإبداع، وكان الفرنسيون يريدون التمييز الصريح بين الإنتاج المرتبط بعالم الماديات والإنتاج المتصل بعوالم الرمز، وانتصر الفرنسيون فيما اصطلح عليه بالاستثناء الثقافي، ثمّ حرص الفرنسيون على إدراجه ضمن بنود الدستور الموحد لدول الاتحاد الأوروبي، بعد أن دفعوا بمجموعة الدول الفرنكوفونية إلى تزكيته في مؤتمرهم الدوري الذي انعقد في هانوي عام 1997 والذي اعتلى فيه بطرس بطرس غالي منصب الأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية. العرب

ليست هناك تعليقات: